صديق الحسيني القنوجي البخاري

569

فتح البيان في مقاصد القرآن

بعضهم لا كلهم إذ كان من جملة من معه السبعون الذين اختارهم موسى للميقات ويبعد منهم مثل هذا القول . قالَ أي أجاب عليهم موسى إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ وصفهم بالجهل لأنهم قد شاهدوا من آيات اللّه ما يزجر من له أدنى علم عن طلب عبادة غير اللّه ولكن هؤلاء القوم أعني بني إسرائيل أشد خلق اللّه عنادا وجهلا وتلونا ، وقد سلف في سورة البقرة بيان ما جرى منهم من ذلك . وأخرج ابن أبي شيبة وأحمد والترمذي وصححه والنسائي وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والطبراني وأبو الشيخ وابن مردويه عن أبي واقد الليثي قال خرجنا مع رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم قبل حنين فمررنا بسدرة فقلت يا رسول اللّه اجعل لنا هذه ذات أنواط كما للكفار ذات أنواط وكان الكفار ينوطون سلاحهم بسدرة ويعكفون حولها ، فقال النبي صلى اللّه عليه وسلم اللّه أكبر هذا قالت بنو إسرائيل لموسى اجعل لنا إلها كما لهم آلهة إنكم تركبون سنن الذين من قبلكم » « 1 » . [ سورة الأعراف ( 7 ) : الآيات 139 إلى 141 ] إِنَّ هؤُلاءِ مُتَبَّرٌ ما هُمْ فِيهِ وَباطِلٌ ما كانُوا يَعْمَلُونَ ( 139 ) قالَ أَ غَيْرَ اللَّهِ أَبْغِيكُمْ إِلهاً وَهُوَ فَضَّلَكُمْ عَلَى الْعالَمِينَ ( 140 ) وَإِذْ أَنْجَيْناكُمْ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذابِ يُقَتِّلُونَ أَبْناءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِساءَكُمْ وَفِي ذلِكُمْ بَلاءٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَظِيمٌ ( 141 ) ثم قال لهم موسى إِنَّ هؤُلاءِ يعني القوم العاكفين على الأصنام مُتَبَّرٌ التبار الهلاك وكل إناء منكسر فهو متبر أي : إن هؤلاء هالك ما هُمْ فِيهِ مدمر مكسر . والذي فيه هو عبادة الأصنام ، أخبرهم بأن هذا الدين الباطل الذي هؤلاء القوم عليه هالك مدمر لا يتم منه شيء ، وقال ابن عباس : متبر خسران وَباطِلٌ ما كانُوا يَعْمَلُونَ أي ذاهب مضمحل جميع ما كانوا يعملونه من الأعمال مع عبادتهم للأصنام . قال في الكشاف وفي إيقاع هؤلاء اسما لإنّ وتقديم خبر المبتدأ من الجملة الواقعة خبرا لها وسم لعبدة الأصنام بأنهم هم المعرضون للتبار ، وأنه لا يعدوهم البتة وأنه لهم ضربة لازب ليحذرهم عاقبة ما طلبوا ويبغض إليهم ما أحبوا . قالَ أَ غَيْرَ اللَّهِ أَبْغِيكُمْ إِلهاً الاستفهام للإنكار والتوبيخ أي كيف أطلب لكم غير اللّه إلها تعبدونه وقد شاهدتم من آياته العظام ما يكفي منه البعض والمعنى أن هذا الذي طلبتم لا يكون أبدا وإدخال الهمزة على الغير للإشعار بأن المنكر هو كون المبغي غير اللّه إلها وَهُوَ فَضَّلَكُمْ عَلَى الْعالَمِينَ من أهل عصركم وهم القبط بما أنعم به عليكم من إهلاك عدوكم ، واستخلافكم في الأرض وإخراجكم

--> ( 1 ) أخرجه أحمد في المسند 5 / 218 .